تماسك القوى السياسية العراقية يغلق الأبواب على التدخل الأمريكي بالشأن الداخلي

تماسك القوى السياسية العراقية يغلق الأبواب على التدخل الأمريكي بالشأن الداخلي
خاص بالمحور
إن تماسك القوى العراقية في هذه المرحلة لا يمكن النظر إليه كظاهرة عابرة أو مجرد توافق سياسي لحظي، بل يمثل تحوّلًا استراتيجيًا في بنية القرار الوطني العراقي. فالمعادلة التي كانت تعتمد عليها الولايات المتحدة طويلًا –وهي تفكيك المواقف العراقية عبر تغذية الانقسامات السياسية وتوظيف التباينات داخل المشهد الداخلي– بدأت تفقد فاعليتها تدريجيًا أمام حالة الوعي التي تشكّلت لدى القوى العراقية بأن أي تفكك داخلي يعني زيادة مساحة التدخل الخارجي.

هذا التماسك أنتج أربعة تحولات أساسية:

أولًا: تثبيت مفهوم السيادة كإطار جامع لم يعد الحديث عن السيادة خطابًا شعاريًا؛ بل أصبح إطارًا سياسيًا واقعيًا تعمل ضمنه القوى الوطنية، سواء في مواقفها من الوجود العسكري الأجنبي، أو في إدارة الملفات الأمنية، أو في تحديد طبيعة الشراكات الدولية. هذا يعني أن العراق يتجه نحو بناء معادلة “علاقة متوازنة” بدل “التبعية”.

ثانيًا: تحجيم أدوات الضغط الأمريكية الولايات المتحدة كانت تراهن على:

الانقسام الحزبي

تباينات المواقف بين الحكومة والقوى السياسية

ورقة الاقتصاد والعقوبات والضغوط المالية

الملف الأمني والتواجد العسكري بذريعة محاربة الإرهاب


لكن مع تشكل موقف وطني جامع، أصبحت هذه الأدوات أقل تأثيرًا، لأن قدرة واشنطن على المناورة ترتبط تاريخيًا بوجود بيئة سياسية متشظية.

ثالثًا: إعادة إنتاج مركز القرار في بغداد التماسك الداخلي أعاد الثقة بالدولة كمصدر رئيسي للقرار، لا كمساحة نزاع بين قوى داخلية وخارجية. وهذا يعزز:

استقلالية القرار الحكومي

قوة الموقف التفاوضي مع الولايات المتحدة

قدرة العراق على رسم توازن دقيق بين الشرق والغرب دون الدخول في صراعات المحاور


رابعًا: انتقال العراق من موقع المتلقي إلى الفاعل بعد سنوات كان العراق فيها ساحة لتقاطع النفوذ الدولي، يقترب اليوم من أن يكون طرفًا مؤثرًا يمتلك:

إرادة سياسية أوضح

وحدة خطاب أقوى

دعمًا شعبيًا لفكرة السيادة

رصيدًا من التجربة أثبت أن الانقسام يساوي الفوضى


الخلاصة: تماسك القوى العراقية لم يُغلق فقط أبواب التدخل الأمريكي، بل أعاد تعريف العلاقة مع واشنطن على أساس الاحترام المتبادل، وفتح الباب أمام بناء دولة أقوى، تمتلك قرارها، وتفرض حضورها السياسي والسيادي. العراق اليوم لا يرفض العلاقات الدولية، لكنه يرفض الوصاية والتدخل، وهذه هي النقطة المفصلية التي تغيّر شكل المشهد السياسي في المنطقة.